الطول من الصفات الجسدية التي تختلف من شخص إلى آخر، وتلعب عوامل عديدة دورًا في تحديده، من أهمها الوراثة، التغذية، الهرمونات، والنشاط البدني. ولكن أحد الأجزاء الأساسية في الجسم التي تؤثر بشكل مباشر على طول الإنسان هو **العمود الفقري**. يتكون العمود الفقري من مجموعة من العظام المرتبة فوق بعضها تُعرف باسم الفقرات، وهو يشكل جزءًا كبيرًا من طول القامة الكلي. كما أن صحة العمود الفقري ووضعه تلعب دورًا كبيرًا في مظهر الطول الخارجي.
في هذا الموضوع سنستعرض مكونات العمود الفقري، وظيفته، وكيف يؤثر على الطول، بالإضافة إلى التغيرات التي تطرأ عليه خلال مراحل الحياة، وطرق العناية به للحفاظ على القامة.
---
## **ما هو العمود الفقري؟**
العمود الفقري هو هيكل عظمي مركزي يقع في ظهر الإنسان، يتكون من **33 فقرة** في مرحلة الطفولة، تلتحم بعض هذه الفقرات في مرحلة البلوغ ليصبح العدد **26 فقرة** في الإنسان البالغ. يتوزع العمود الفقري على خمس مناطق رئيسية:
1. **الفقرات العنقية (7 فقرات)** – في الرقبة.
2. **الفقرات الصدرية (12 فقرة)** – في منطقة الصدر.
3. **الفقرات القطنية (5 فقرات)** – أسفل الظهر.
4. **العجز (5 فقرات ملتحمة)** – قاعدة العمود الفقري.
5. **العصعص (4 فقرات ملتحمة)** – في أسفل العمود الفقري.
بين كل فقرة وأخرى توجد أقراص غضروفية تعمل كوسائد تمتص الصدمات وتساعد في المرونة والحركة.
---
## **دور العمود الفقري في الطول**
يشكل العمود الفقري نسبة كبيرة من الطول الإجمالي للإنسان، خصوصًا في مرحلتي الطفولة والمراهقة. ويمكن تفصيل ذلك على النحو التالي:
* يبلغ طول العمود الفقري لدى البالغين حوالي **70 سم** في الذكور و**60 سم** في الإناث.
* يشكل العمود الفقري ما يقارب **35% إلى 40%** من الطول الكلي للفرد.
* كل قرص غضروفي بين الفقرات يساهم ببضعة ملليمترات في الطول، أي أن وضعية هذه الأقراص وحالتها الصحية تؤثر على الطول الظاهر.
---
## **كيف يؤثر وضع العمود الفقري على الطول؟**
وضعية العمود الفقري تؤثر بشكل كبير على الطول الذي يبدو عليه الإنسان. إليك بعض الأمثلة:
### 1. **الانحناء أو التقوس (الحدب أو الجنف):**
* **الحدب** (Kyphosis): تقوس العمود الفقري إلى الخلف، غالبًا في الجزء العلوي، يؤدي إلى انكماش الجسم للأسفل.
* **الجنف** (Scoliosis): انحناء جانبي غير طبيعي في العمود الفقري، يؤدي إلى فقدان بعض السنتيمترات من الطول الحقيقي.
### 2. **الانضغاط الفقري:**
* فقدان السُمك في الأقراص الغضروفية نتيجة الضغط أو التقدم في العمر يسبب انخفاضًا تدريجيًا في الطول.
### 3. **الوقفة الجسدية السيئة:**
* الجلوس أو الوقوف بوضعية خاطئة (انحناء الكتفين أو الرأس للأمام) يجعل الشخص يبدو أقصر مما هو عليه في الواقع.
---
## **التغيرات في الطول مع تقدم العمر**
مع التقدم في العمر، يُلاحظ عند كثير من الناس انخفاض تدريجي في الطول، قد يصل إلى **2-5 سنتيمترات** أو أكثر بعد سن الستين. يعود هذا الانخفاض إلى عدة عوامل:
* **فقدان السوائل من الأقراص الغضروفية**: تصبح الأقراص أكثر تسطحًا، مما يؤدي إلى تقصير العمود الفقري.
* **انكماش العضلات الداعمة للظهر**.
* **هشاشة العظام**: قد تؤدي إلى انضغاط الفقرات أو كسور صغيرة تؤثر على استقامة العمود الفقري.
* **تغيرات في الوضعية والوقوف** بسبب ضعف العضلات أو التوازن.
---
## **الفرق بين الطول الحقيقي والطول الظاهري**
من المهم التمييز بين **الطول الحقيقي (العظمي)** و**الطول الظاهري**:
* **الطول الحقيقي**: يُقاس عندما يكون العمود الفقري مفرودًا تمامًا، مثل ما يحدث عند التمدد في النوم.
* **الطول الظاهري**: يُقاس عند الوقوف، وقد يكون أقل نتيجة تأثير الجاذبية، أو الانحناء، أو ضغط الأقراص الغضروفية.
يلاحظ أن الناس قد يكونون أطول بنحو 1 إلى 2 سنتيمتر في الصباح مقارنة بالمساء، بسبب تمدد الأقراص الغضروفية أثناء النوم وانضغاطها أثناء الوقوف والحركة خلال النهار.
---
## **هل يمكن زيادة الطول من خلال العمود الفقري؟**
في بعض الحالات، يمكن تحسين مظهر الطول أو استعادة بعض السنتيمترات المفقودة من خلال:
### 1. **تصحيح الوقفة الجسدية:**
تحسين وضعية الوقوف والجلوس قد يجعل الشخص يبدو أطول، وقد يستعيد 1–2 سم من الطول المفقود بسبب الانحناء.
### 2. **تمارين التمدد والتقوية:**
* تمارين مثل **اليوغا**، **السباحة**، و**تمارين الاستطالة** تساعد على تخفيف الضغط عن الأقراص الغضروفية.
* تقوية عضلات الظهر والبطن تساعد في دعم العمود الفقري وإبقاءه في وضع مستقيم.
### 3. **العلاج الطبيعي والتقويم:**
بعض الحالات مثل الجنف أو التقوس يمكن تحسينها من خلال العلاج الطبيعي، مما يؤدي إلى تحسين القامة.
### 4. **الجراحة (في الحالات الشديدة فقط):**
في بعض حالات التشوهات أو قصر القامة المرضي، تُستخدم تقنيات جراحية معقدة لإطالة العمود الفقري أو تصحيحه، لكن هذه تُستخدم فقط في حالات طبية نادرة.
---
## **كيف نحافظ على صحة العمود الفقري؟**
للحفاظ على صحة العمود الفقري وبالتالي الحفاظ على الطول:
1. **الحفاظ على وضعية جيدة** عند الجلوس أو الوقوف أو النوم.
2. **ممارسة التمارين الرياضية** بانتظام، خاصة التي تعزز قوة ومرونة الظهر.
3. **التغذية السليمة**، خصوصًا الأطعمة الغنية بالكالسيوم وفيتامين D.
4. **تجنب حمل الأوزان الثقيلة** بطريقة خاطئة.
5. **الابتعاد عن الجلوس الطويل** بدون حركة أو تغيير وضعية.
6. **زيارة الطبيب أو الأخصائي عند الشعور بألم مزمن في الظهر** أو ملاحظة انحناء غير طبيعي.
---
## **خاتمة**
العمود الفقري ليس مجرد هيكل عظمي يدعم الجسم، بل هو عنصر أساسي في تحديد طول الإنسان، وشكله، وصحته العامة. يؤثر وضعه الصحي على الطول الظاهري والحقيقي بشكل مباشر، وتلعب العوامل المتعلقة به دورًا مهمًا في التغيرات التي تطرأ على الطول عبر مراحل الحياة.
العناية بالعمود الفقري تبدأ من الطفولة وتمتد طوال العمر، وتشمل التغذية الجيدة، النشاط البدني، والحفاظ على وضعية سليمة. فالوقاية خير من العلاج، والاهتمام بصحة العمود الفقري ينعكس بشكل إيجابي على القامة، والمظهر، والنشاط اليومي.