الوراثة وزيادة الطول: ما بين الجينات والبيئة
مقدمة
يُعد الطول من أكثر الصفات الجسدية التي تثير فضول الإنسان، سواء من الناحية الجمالية أو الصحية أو الرياضية. ومنذ القِدم، ارتبط الطول بعوامل متعددة، أهمها: الوراثة. فغالبًا ما يُقال: "إذا كان الأبوان طوال القامة، سيكون الأبناء كذلك"، لكن إلى أي مدى يمكن اعتبار هذا صحيحًا؟ وهل الوراثة وحدها هي المسؤولة عن الطول؟ أم أن هناك عوامل أخرى تلعب دورًا مشتركًا؟ في هذا المقال، سنستعرض بشكل مبسط ودقيق كيف تؤثر الوراثة على الطول، ونوضح تفاعلها مع البيئة وأسلوب الحياة.
ما هو الطول وكيف ينمو الإنسان؟
الطول هو نتيجة لنمو العظام الطويلة في الجسم، مثل عظام الفخذ، الساق، والذراع، ويحدث هذا النمو خلال مرحلة الطفولة والمراهقة. ينمو الإنسان طوليًا عندما تنمو ألواح النمو (Epiphyseal Plates) في نهايات العظام، وتستمر هذه العملية حتى تُغلق هذه الألواح، غالبًا في:
الفتيات: بين عمر 14 – 16 عامًا.
الفتيان: بين عمر 16 – 18 عامًا.
ويتحكم في هذه العملية مزيج من الهرمونات (مثل هرمون النمو، وهرمون الغدة الدرقية، وهرمونات الجنس)، والعوامل الوراثية، والبيئة (مثل التغذية والنوم والرياضة).
الوراثة: ماذا نعني بها في هذا السياق؟
الوراثة تعني انتقال الصفات الجسدية والوظائف الحيوية من الآباء إلى الأبناء من خلال الجينات. هذه الجينات تُحمل على الكروموسومات، وهي أجزاء من الحمض النووي (DNA)، وتحتوي على "شفرة" تحدد الصفات التي سيرثها الشخص، مثل:
لون البشرة والعينين.
شكل الشعر.
الاستعداد لبعض الأمراض.
الطول.
في حالة الطول، تُعد هذه الشفرة الوراثية معقدة، لأن الطول لا تحدده جين واحد فقط، بل مئات الجينات المختلفة.
كيف تتحكم الجينات في الطول؟
1. جينات متعددة مسؤولة عن الطول
الطول يُصنف كـ"صفة متعددة الجينات" (Polygenic Trait)، أي أنه لا يتحكم فيه جين واحد، بل عشرات أو مئات الجينات التي تعمل معًا. وقد حدد العلماء أكثر من 700 جين مختلف مرتبط بالنمو والطول!
من بين هذه الجينات:
جينات تتحكم في إنتاج هرمون النمو.
جينات تنظم حساسية العظام لهرمونات النمو.
جينات تتحكم في معدلات النمو خلال الطفولة والمراهقة.
2. تأثير الأبوين
غالبًا ما يُستخدم متوسط طول الوالدين لتوقع طول الأبناء، وهو ما يُعرف بـ"معادلة الطول الوراثي التقديري"، وهي:
للأولاد:
(طول الأب + طول الأم + 13) ÷ 2
للبنات:
(طول الأب + طول الأم - 13) ÷ 2
لكن هذه المعادلة تقديرية فقط، لأن هناك عوامل أخرى تلعب دورًا بجانب الوراثة.
هل الوراثة وحدها تحدد الطول؟
لا. رغم أن الوراثة لها الدور الأكبر في تحديد الطول، إلا أن الدراسات تشير إلى أن:
الوراثة مسؤولة عن 60% إلى 80% من تحديد الطول.
البيئة (الغذاء، النوم، الرياضة، الصحة العامة) تشكل النسبة الباقية، أي حوالي 20% إلى 40%.
بمعنى آخر، يمكن أن يرث الإنسان الاستعداد الوراثي ليكون طويلًا، لكن إذا لم يحصل على تغذية جيدة أو نمط حياة صحي، فقد لا يُحقق هذا الطول المحتمل.
العوامل البيئية التي تؤثر بجانب الوراثة
1. التغذية
الغذاء هو العامل البيئي الأهم في دعم نمو الطول، ويجب أن يحتوي النظام الغذائي على:
البروتينات: تبني العضلات والأنسجة.
الكالسيوم والمغنيسيوم والفوسفور: مهمة لنمو العظام.
فيتامين D: يساعد الجسم على امتصاص الكالسيوم.
الزنك: يؤثر في النمو والمناعة.
2. النوم
أثناء النوم العميق، يُفرَز هرمون النمو بكميات كبيرة. الأطفال والمراهقون بحاجة إلى 8 – 10 ساعات نوم يوميًا لنمو سليم.
3. الرياضة
التمارين مثل القفز، السباحة، التعلق، وتمارين التمدد تُحفّز إفراز هرمون النمو، وتحسّن من صحة العظام.
4. الصحة العامة
الأمراض المزمنة، أو نقص الهرمونات، أو بعض الأدوية، قد تؤثر على الطول حتى لو كانت الجينات "جيدة".
أمثلة توضيحية
🔹 المثال الأول:
شاب وُلد لأب طوله 185 سم وأم طولها 170 سم، لكن الشاب تناول غذاءً سيئًا في طفولته، وكان يعاني من مشاكل هرمونية ولم يمارس الرياضة. رغم أنه وراثيًا مهيأ للطول، إلا أن طوله توقف عند 168 سم فقط.
🔹 المثال الثاني:
فتاة وُلدت لأب وأم قصيري القامة، لكنها حصلت على تغذية ممتازة ومارست الرياضة بانتظام. ورغم محدودية الوراثة، إلا أنها بلغت طولًا يفوق أبويها (مثلاً: 165 سم)، بسبب استفادتها القصوى من إمكانات الطول المحدودة لديها.
هل يمكن "كسر" حدود الوراثة وزيادة الطول؟
لا يمكن تغيير الجينات، لكنها ليست قدرًا مطلقًا. ما يمكن فعله هو:
تحقيق الحد الأقصى من الطول الوراثي عبر أسلوب حياة صحي.
منع العوامل البيئية من كبح النمو.
في بعض الحالات الطبية، يمكن استخدام علاج هرمون النمو للأطفال الذين يعانون من نقصه (تحت إشراف طبي صارم).
التوقعات الوراثية مقابل الواقع
العامل | التأثير الوراثي | التأثير البيئي |
---|---|---|
الطول النهائي | 60-80% | 20-40% |
بداية البلوغ | مرتفعة | متوسطة |
سرعة النمو | متوسطة | مرتفعة |
صحة العظام | ضعيفة | قوية جداً |
خلاصة
تلعب الوراثة دورًا رئيسيًا في تحديد الطول، عبر مئات الجينات التي تتحكم في نمو العظام وإنتاج الهرمونات. ومع ذلك، فإن العوامل البيئيةمثل التغذية والنوم والرياضة لا تقل أهمية، حيث تحدد ما إذا كان الشخص سيُحقق طوله الوراثي المحتمل أم لا.
بالتالي، لا يجب الاكتفاء بالاعتماد على الوراثة، بل ينبغي تعزيز النمو باتباع نمط حياة صحي، خصوصًا في سنوات النمو، لأن هذا هو الوقت الوحيد الذي يمكن فيه التأثير الفعلي على الطول.